سلسلة أوراق القدس (3): المشهد الثقافي لمدينة القدس

المقدمة

الأخ أحمد قريع (أبو علاء)

رئيس دائرة شؤون القدس

منظمة التحرير الفلسطينيّة

كشفت التجربة التي خاضتها المؤسسات الثقافيّة في منظمة التحرير الفلسطينيّة والسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، على ضوء اعتماد وزراء الثقافة العرب القدس مدينة للثقافة العربيّة عام 2009 ، عن بؤس البنى التحتيّة الثقافيّة العربيّة- الفلسطينيّة في المدينة المقدّسة، والناجم عن التخريب الواسع الذي مارسته سلطات الإحتلال الإسرائيلي في المؤسسات والنشاطات المعبِّرة عن أحوالنا الذهنيّة والوجدانية، وعبثها المتمادي في هذا الجانب الذي يشكِّل جزءاً من التدمير الإسرائيلي الممنهج والمنظّم للعمق التاريخي المادي والروحي العروبي، الإسلامي والمسيحي، في مدينة الروح والحضارة والتعدديّة الدينيّة والثقافيّة، والتي طالما نهضت على قاعدة التسامح والوطنيّة وتقبُّل الآخر.

إن إطلالة سريعة على ما آلت إليه الأوضاع الثقافيّة في القدس، في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، تكشف عن عمق الهوّة بين المشهد الثقافي المنتعش غربيّ المدينة، في الجانب الذي احتلته إسرائيل عام 1948 ، وبين المشهد الثقافي الفقير الذي تعيشه القدس الغربيّة التي جرى احتلالها في حرب العام 1967 . حيث شهد الأخير تراجعاً متسارعاً منذ ذلك التاريخ وحتّى اللّحظة، ناهيك عن تراجع وانحسار الدور الثقافي التاريخي الذي لعبته مدينة القدس على مرّ التاريخ وتتالي العصور والأزمان.

مثل هذا الوضع الثقافيّ المثير للأسى، لمدينة طالما منحت إشعاعها الروحي والحضاري والثقافي ليبلغ أركان الأرض، حدا بدائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينيّة، لأن تدعو نخبة من المثقفين والباحثين والأكاديميين المعنيين بالشأن الثقافي الفلسطيني، وخاصّة في شؤون مدينة القدس وثقافتها، لأن يتداعوا إلى الندوة التي دعت إليها الدائرة أواخر تشرين الثاني 2010 في مدينة رام الله – البيرة، تحت عنوان “المشهد الثقافي في مدينة القدس”، وذلك للبحث في الأوضاع الثقافيّة وما آلت إليه من خراب بفعل الممارسات الإسرائيليّة، التي عملت تدميراً في هذا الجانب وطمساً للوجه الثقافي العربي الفلسطيني، إلى جانب سرقة وانتحال ثقافتنا الوطنيّة، بدءاً من اللقى الأثريّة، مروراً بالمخطوطات التاريخيّة النادرة، وانتهاءً بالمطرزات الفلسطينيّة والأشغال التقليديّة.. وحتّى أطباق الطعام الفلسطينيّة المعروفة تراثياً.

إن ما جرى من انتهاكات ثقافيّة إسرائيليّة مسّت بالشّخصيّة الوطنيّة الفلسطينيّة وأبعادها الثقافيّة المختلفة، قوبل بصمت عربي وإسلامي رسمي رهيب، مع غياب فادح للبرامج التي تتصدى للمشروع العدواني الإسرائيلي على هذا الصعيد. وقد رافق هذا الصّمت خطاب لفظي مُفرغ لا يكف عن ترديد الشعارات حول عروبة القدس ووجهها العربي الإسلامي، في وقت تواصل فيه سلطات الاحتلال قضم المدينة، وتفريغها من سكانها العرب، ومصادرة أرضها، ومواصلة الحفريات الباحثة عن هيكلٍ مزعوم، والمضيّ في إجراءات أسرلة المدينة وتهويدها لتحقيق الادعاء التضليلي بأن القدس هي العاصمة التاريخيّة الأبديّة للدولة العبريّة.

وفي طموح يهدف إلى رسم ملامح المشهد الثقافي للقدس العربيّة، قدّم باحثونا في الندوة دراسات مسحيّة تناولت كافة جوانب المشهد وتجلياته، مهما بدا واهناً، وداعياً للحزن والأسى، للمآل الذي بلغته حالة الثقافة على الجانب الشرقي لمدينة القدس الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب حزيران 1967 . وقد عكف باحثونا على دراسة ألأوضاع التي آلت إليها الآثار في مدينة القدس، ومستوى النهب والتخريب الذي بلغته جرّاء الحفريات الإسرائيليّة، إلى جانب دراسة حالة البنية التحتيّة الثقافيّة المتدهورة في المدينة، مع رصد الأنشطة والفعاليات الثقافيّة، من حركة أدبيّة وتشكيليّة ومسرحيّة، رغم الاعتداءات التي تشنّ عليها، دون أن تستثني دور العبادة الإسلاميّة والمسيحيّة، وهي أنشطة تجري بتحدِّ ودأب في ظلّ قمع ثقافيّ يوميّ وملاحقة احتلاليّة متواصلة.

وإلى جانب إبراز حاجة القطاع الثقافي الماسّة لإقامة البنى التحتيّة، من مسارح ودور عرض سينمائيّة وقاعات للمحاضرات والندوات والصالات التشكيليّة، وحاجة المكتبات العامّة إلى الترميم وتوفير الحماية وشروط المحافظة على المخطوطات وصيانتها، فقد ألقت إحدى الأوراق نظرة إلى تاريخ الصحافة الفلسطينيّة المقدسيّة، وأوضاعها التي شهدت تراجعاً عمّا بلغته في عقود ماضية، مع إشارات دائمة إلى افتقار كلّ القطاعات إلى التمويل اللازم للتنمية الثقافيّة وتطوير المؤسسات القائمة على هذا الصعيد.

ولم يفت تلك الأوراق تأمل المشهد العمراني في المدينة المقدّسة، وحالة المتاحف فيها، واستدعاء الأطر القانونيّة التي تتصدّى لمهمّة حماية تراثنا الوطني هناك من التبديد والاندثار والسّرقة الخفيّة والمُعلنة، مع تقديم الاقتراحات التي تحول  دون هجرة النشاط الثقافي من القدس ليتوزّع مناطق أخرى خارج المدينة. إن المسؤوليّة الملقاة على عاتقنا، مثقفين عضويين ومسؤولين سياسيين، تقتضي إيلاء الاهتمام الكبير بالمسألة الثقافيّة في مدينة القدس. وما الندوة التي عقدتها دائرة شؤوون القدس، سوى إطلالة أولى على هذا المشهد، ودقّ طرقات أولى على جدران الواقع الثقافي البائس في مدينة الروح والثقافة والحضارة على مرّ العصور.


لتحميل ومشاهدة الملف، الرجاء الضغط على: سلسلة أوراق القدس (3)_المشهد الثقافي لمدينة القدس


اشترك في القائمة البريديه

المزيد

أننا جميعاً نعلم علم اليقين، وعلى سائر مراتب المسؤولية الوطنية، أن قضية القدس هي أم القضايا الفلسطينية وهي التحدي الوطني الأول. القدس بكل رمزيتها الهائلة هي درة التاج، وهي العنوان الفلسطيني الأهم والأبرز على الإطلاق، إليها تُشد الرحال وعلى ثراها الطاهر تسترخص الأرواح

دائرة شؤون القدس - منظمة التحرير الفلسطينيه Tweet