النشرة الشهرية لشهر كانون الثاني (2015)

افتتاحية العدد

كلمة السيد احمد قريع ابو علاء خلال افتتاح ندون المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس 14-11-2014

الواقع والوقائع… الأخطار والتّحديات

الأخوات والإخوة

يسرّني اليوم، ومن على منبر جامعة القدس، أن أتشرّف بافتتاح هذه النّدوة الخاصّة بالمقدّسات، والمعالم التّاريخيّة والثّقافيّة والأثريّة في القدس الشّريف، مهوى أفئدتنا، وعنوان حاضرنا ومستقبلنا،وأقدسِ بقعةٍ في فلسطيننا، الّتي تحتضن أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشّريفين، مسرى سيدنا محمّد (صلّى الله عليه وسلّم)، وقيامة سيّدنا المسيح – عليه السّلام-. إنّها القدس الّتي باركها الله – سبحانه وتعالى-، وبارك حولها، وجعل منها أقرب مكانٍ في الأرض إلى باب السماء.

وأحسب -أيّها الإخوة- أنّ ندوتنا هذه، المنعقدة في أصعب الظّروف وأشدّها قسوة على مدينة القدس، تلبّي قسطًا يسيرًا من الواجب الوطنيّ: الدّينيّ والأخلاقيّ والسّياسيّ، وتسدّ جزءًا صغيرًا من الدَّين الثّقيل المعلّق في الأعناق والضّمائر تجاه بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك على وجه الخصوص، إنّها مدينتنا المقدسة الّتي تشهد أبشع حملة تهويد وأسرلة لمعالمها التّاريخيّة والدّينيّة والثّقافيّة والحضاريّة، وتشهد – في الوقت ذاته، وبالتّوازي معه – أبشع الانتهاكات والممارسات العنصريّة الّتي تستهدف المقدسيين،والمتمثّلة في عمليّات القمع والقتل والاعتقال، وإرهاقهم بالضّرائب والرّسوم على أشخاصهم، ومدارسهم،ومنازلهم، ومحلاتهم التّجاريّة، وأراضيهم، وتسلب منهم بقوّة الاحتلال البغيض أبسط مبادىء حقوق الانسان والقانون الدّوليّ.

إنّ هذا الحشد من الحضور الكريم، وهذه الكوكبة المميّزة من الباحثين المهمومين بأحوال مدينتنا الأسيرة، وكلّ هذه الأبحاث والدّراسات القيّمة، تشكّل في مجموعها برهانًا قويًا على مدى انشغال شعبنا والنّخبة منه خاصّة، وعلى عمق إدراكه للمخاطر الهائلة المحدقة بالقدس.

لم تكن هذه النّدوة عملًا مرتجلًا قمنا به على عجل، ولم تكن موضوعاتها المنتقاة بعناية مجرد قول على قول كيفما اتفق، وإنّما كانت جهدًا فكريّاً منسّقًا، أعدّت له دائرة شؤون القدس في م.ت.ف إعدادًاجيّدًا، وسعت بخطا حثيثة إلى تحقيقه على أحسن وجه، بالتّعاون والتّواصل الحثيثين مع عدد من أعلام القدس البارزين ومفكريها اللامعين، الّذين يساهمون بفكرهم وإيمانهم وصمودهم على إبراز مكانة القدس والمخاطر المحدقة بها.

لقد أردنا من هذه النّدوة، الّتي تنوّعت عناوينها بين شتّى القضايا المقدّسة الّتيتشغل العقل الجمعّي الفلسطينيّ، أنتكون ضوءًا مركّزًا، ننير به العقول، وتستيقظ من خلاله الضّمائر، حيال ما آلت إليه أوضاع القدس والمقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة تحت الاحتلال البغيض، وما أفضت إليه سياسة التّهويد والأسرلة من أخطار تجلّ عن كلّ وصف بليغ.

ويزيد من أهميّة ما نحن بصدده اليوم، درجة التّصعيد الإسرائيليّ الرّاهن في هذه المرحلة، الّتي يمضي خلالها الاحتلال بسرعة غير مسبوقة، لتغيير واقع القدس تغييرًا جذريًّا؛ لإكراهنا على قبول حقائق أمر واقع نهائيّة لا تقبل المراجعة مستقبلاً.

وعلى الّرغم من أنّ القدس كانت -أيّها الإخوة- بؤرة المخطّطات الجهنميّة الإسرائيليّة منذ احتلالها قبل عشرات السّنين، وظلّت طوال الأعوام الطّويلة الماضية محل مشاريع استيطان ومصادرات وقمع وتهويد لا حصر لها، إلّا أنّ هذه المدينة العربيّة الأصيلة، تبدو اليوم وكأنّها قد باتت على رؤوس الأشهاد موضع الهجمة العنصريّة الأخيرة الشّاملة.

إن حالة السّعار الاستيطانيّ، والتّهويد الإرهابيّ، الّتي تُحْدِقُ بالقدس في هذه الآونة، وهذا الهياج العنصريّ الاستفزازيّ، والانتهاكات الإجراميّة الّتي تستهدف المسجد الأقصى المبارك، وكلّالممارسات الوحشيّة الهمجيّة، والّتي يطالعنا بها قادة الاحتلال صباحًا ومساءً، هو الدليل بعينه على أنّ الحرب الإسرائيليّة الشّاملة على المدينة المقدّسة قد شارفت على نقطة اللاعودة…وإذا كانت خطط تغيير واقع القدس الدّيمغرافيّ والثّقافيّ والدّينيّ والحضاريّ، قد صمت عليها العالم وتجاهلها في الّسّنوات الماضية، وبلغت جلّ ما كانت ترمي إليه دون إعلانات مسبقة، فها هي تدخل اليوم مرحلة الاستكمال بفظاظة شديدة، في رابعة النّهار، وتحت أبصار العالم كلّه.

وقد يكون –أيّها الإخوة- ما جرى، وما يزال جاريًا، بوتيرة تصاعديّة مجنونة ضدّ المسجد الاقصى على وجه التّحديد، هو المثال العمليّ الأبرز على مدى الاستخفاف الإسرائيليّ الأرعن، بل على شدّة الاستهانة الّتي لا حدّ لها حيال ما قد يواجهه المحتلّون من ردود فعل على المستويات العربيّة والإسلاميّة والدّوليّة.

صحيح أننّا، الفلسطينيين عامّة والمقدسيين خاصّة،لم نتوانَ يوماً عن رفع الصّوت عالياً؛ محذّرين من مغبّة ما يتربّص بالقدس ومقدّساتها، وأننّا لم نتردّد في القيام بقسط وافر من المسؤوليّة الكبرى الملقاة على كواهلنا؛ لفتح عيون الاخوة والأشقاء على ما آل اليه حال مدينتنا المقدّسة، ودعوتهم إلى شدّأزرنا، إلّا أنّ من الصّحيح أيضًاأنّه من الواجب المترتّب علينا، كخطّ دفاع أوّل عن هذه المدينة الصّابرة على محنتها ومحنتنا، تفرض علينا تعزيز وحدتنا، ووحدة خططنا وبرامجنا وسياساتنا ومرجعياتنا.

إننّاعندما نمارس مثل هذا النّقد الذّاتيّ لأدائنا، ونلوم أنفسنا عن كلّ تقصير ارتكبناه بحقّ مدينتنا الحبيبة، فإننّا لا نغفل في حقيقة الأمر صور البطولة النّادرة، وآيات الصّمود الأسطوريّالّتيأبداها المقدسيون دفاعًا عن حاضر القدس ومستقبلها، بما في ذلك هذه الهبّة الجماهيريّة المتواصلة خلال الأشهر القليلة الماضية… غير أنّ ذلك يجب ألّا يدعونا إلى النّوم على حرير هذه الهبّة، أو الاطمئنان إلى غيرها من مشاهد الاستبسال في هذه المواجهة المستمرّة؛لأنّ الأخطار أكبر من طاقة المقدسيين وحدهم، لا سيّما وأنّ الّتهديدات شديدة الوطأة على شبابهم وفتيتهم، إن هم تركوا بلا إسناد حقيقيّ، يقارعون الهجمة الضّارية، كما أنّ الدّعم المادّيّ لتعزيز هذا الصّمود المقدسيّالباسل كان محدودًا جدًّا، أمام بشاعة الاحتلال وممارساته وإمكاناته المادّيّة والاقتصاديّة والعسكريّة.

من هنا تنبع المسؤوليّة المشتركة المنوطة بالشّعبالفلسطينيّ داخل الوطن وخارجه؛ منظّمة تحريره وسلطتهالوطنيّة وفصائله  ومجتمعهالمدنيّ، وذلك قبل أن نتحدّث عن واجبات الأشقاء العرب، ومسؤوليات العالم العربيّ والإسلاميّ، ودور المجتمع الدّوليّ، في وجوب وقف هذه الهجمة الاستئصاليّة على مدينة القدس والمسجد الأقصى، وسائر المقدسات الإسلاميّة والمسيحيّة.

ومن واقع الشّعور العميق بحراجة اللحظة السّياسيّة الرّاهنة، والحسّ الثّقيل بواجب المسؤوليّة الوطنيّةالّتي ينبغي أن تتقدّم مسؤوليات الأشقاء والاخوة حيال المدينة المقدسة،أَتَتْ هذه المبادرة لعقد هذا اللقاء الفكريّ، المكرّس كليّاً لبيان عدد من الجوانب الّتي تستحقّ الإضاءة عليها، ووضعها في مقدمة أذهان المخاطبين بأحوال القدس، وبالأخطار الشّديدة المحيطة بها.

إننّي في سياق هذه النّدوة القيّمة، أدعو إلى الاستثمار السّياسيّ النّضاليّ في العناوين المتخصّصة الّتي اشتملت عليها أوراق البحث الرّصينة المعروضة علينا اليوم؛ من خلال تعميم الفائدة المرجوّة من ورائها على أوسع قطاعات أكاديميّة وإعلاميّة وفصائليّة ممكنة، ووضعها بين يدي الرّأي العامّ الفلسطينيّ والعربيّ على أوسع نطاق ممكن، لا سّيما ونحن في عصر ثورة الاتّصالات المعروفة.

ولأنّ من لا يشكر النّاس لا يشكر الله – تعالى- فاسمحوا لي إخواني، أن أتوجّه بالشّكر الجزيل لجميع الإخوة والأخوات الّذين ساهموا في الإعداد لهذه النّدوة الهامّة، وتقديم الأبحاث القّيمة حول عدد من القضايا المحدّدة المدرجة على جدول الأعمال، وهم: د. نظمي الجعبة، ود. ناجح بكيرات ، ود. برنارد سبيلا ، ود. محمّد الشّلالدة ، ود. يوسف النّتشة ، وأ. زهرة الخالدي، ود. حسن صنع الله، ود. علي قليبو ، وأ. عبير زيّاد ، ود. جاد إسحق و سهيل خليليّة ، ود. رائد فتحي ، ود. عدنان عبد الرّزّاق ، وأ.عبد الرّزّاق متاني ، وأ. خليل التّفكجيّ . ود. صالح لطفي ، وأ.د. صلاح الهودليّة. كما لا يفوتني أن أشكر جامعة القدس على ما بذله القيّمون فيها من جهود لعقد هذه النّدوة.

وأخيرًا، فإنّنيأعدكم- أيّها الحضور الكريم- بنشر الأوراق البحثيّة في كتاب واحد؛ كي يصبح في متناول أيدي السّياسيين والطّلّاب والباحثين والإعلاميين في الدّاخل والخارج، وكلِّ من تخاطبهم الهجمة المتواصلة على القدس؛ شعبها ومقدّساتها ومعالمها التّراثيّة.

والسّلام عليكم ورحمة الله

لمشاهدة النشرة كاملة، الرجاء الضغط على: النشرة الشهرية لشهر كانون الثاني (2015)

اشترك في القائمة البريديه

المزيد

أننا جميعاً نعلم علم اليقين، وعلى سائر مراتب المسؤولية الوطنية، أن قضية القدس هي أم القضايا الفلسطينية وهي التحدي الوطني الأول. القدس بكل رمزيتها الهائلة هي درة التاج، وهي العنوان الفلسطيني الأهم والأبرز على الإطلاق، إليها تُشد الرحال وعلى ثراها الطاهر تسترخص الأرواح

دائرة شؤون القدس - منظمة التحرير الفلسطينيه Tweet