دكتـور أحمـد دراج
مقـــدمة
انقضت ست سنوات تقريبًا منذ أن صدر كتاب المماليك والفرنج في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وكنت قد وعدت في طيَات هذا الكتاب بكتابة مقال لاحق عن “الرهبا الفرنسيسكان ووثائق دير صهيون”. وفي الواقع أن ماكنت أعنيه في ذلك الوقت لم يكن يتعدى استكمال دراسة نشاط الرهبان الفرنسيسكان في فلسطين من كافة نواحيه، ومن واقع الوثائق الخاصة بتاريخ طائفتهم في فلسطين والتي تنسب إلى دير صهيون الذي كان مقرا ومركزهم هناك .
وقد جاء هذا الوعد نتيجة لمقتضيات المحافظة على وحدة الموضوع في كتاب المماليك والفرنج. ففي ههذا الكتاب تناولت دراسة العلاقات بين المماليك والفرنج عاوة من الناحية السياسية، ولم يكن بدور في خلدي عندما بدأت أخطط لهذه الدراسة أن الأمر سيتطلب الحديث عن الرهبان والفرنسيسكان المقيمين في فلسطين وقتذاك .
وفي الواقع إن روح العصر، عصر الحروب الصليبية، أدت إلى الخلط، بل المزج التام، بين الدين والسياسة والتجارة. ومن ثم ظلت الروح الصليبية تسيطر بصفة عامة على علاقات الفرنج بالدولة المملوكية وإن كانت حدتها أتخفف شيئا فشيئا بمرور الوقت نتيجة ضعف الآمال في إحياء مملكة بيت المقدس الصليبية، وغلبة المصالح التجارية على الوازع الديني في أوربا.
وكان الرهبان الفرنسسكان المقيمون في فلسطين في العصر الوسيط من الفرنج، تربطهم بأوطانهم الأم وبالكنيسة الكاثوليكية أهداف سياسية واحدة.
وفضلاً عن ذلك فإن روح العصر فرضت عليهم أن يكونوا في مقدمة العاملين على تحقيق الأهداف الصليبية، ومن ثم فقد استحال عليهم الفصل بين مهمتهم الأصلية، وهي دينية بحتة، وبين هذه الأهداف السياسية التي يسعى الفرنج لتحقيقها في الأراضي المسيحية المقدسية.
وهكذا قتضت معالجة الموضوع دراسة سياسية الفرنج ,في هذه الفترة، إزاء الأراضي المسيحية المقدسة، وعلى رأسها نشاط الرهبان الفرنسيسكان المقيمين هناك، غير أن الحرص على وحدة الموضوع تتطلب الاقتصار على الجانب السياسي فقط من نشاط الرهبان الفرنسيسكان في فلسطين، كما تتطلب التوقف في دراسة هذا الجانب – من الناحية الزمنية عند تاريخ سقو الدولة المملوكية.
وكانت هذه الدراسة قد أتاحت لي فرصة الإطلاع على المجموعة العربية من وثائق دير صهيون. وهي الوثائق التي تصور علاقة طائفة الرهبان الفرنسيسكان بالسلطات المملوكية ,وتصًور أوجه نشاطهم في فلسطين . ولم خرج هذا الاطلاع، وقتذاك عن دائرة معنية استلزمتها طبيعة الموضوع، غير أن الحقائق التي تبدًت لي من خلال ذلك الاطلاع أوضحت لي –عن يقين –تمددً أوجه نشاط الرهبان الفرنسيسان في فلسطين وأن الأمر يستلزم دراسة جادة دقيقة لهذه الوثائق لإبراز أوجه ذلك النشاط المتعدد. وليس ثمة شك في أن هذه الدراسة تصور- أولاً وآخرا من جوانب تاريخ فلسطين، وجانبا هامًا من جوانب تاريخ فلسطين، وجانبا هاما من تاريخ الشرق والغرب في العصر الوسيط.
غير أني بعد أن تقدمت بعض الشيئفي دراسة هذه الوثائق تبين لي وعورة الطريق الذي أسير فيه.
فالألمام بما تحتويه هذه الوثائق من حقائق ومعلومات تتصل بهذا النشاط المتمدد الألوان والأغراض للرهبان، وما يتطلبه الأمر من شرحها والتعليق عليها يقتضي دراسة دقيقه حول الموضوع تتطلب الصبر وتتطلب مراجع متمددة ومعينة، بل انها تتطلب شيئا آخر أعز وأصعب من كل ذلك منالآ، ألا وهوالحياد العلمي الدقيق، والتجرد العاطفي التام .
فقد أبرز الآباء الفرنسيسان كدراستهم التي قاموا بها لتاريخ طائفتهم في فلسطين في إطار من “التعصب الديني”من جانب السلطات الإسلامية حتى تعذّرت على الباحث الرؤية الصحيحة لحقائق الإمور.
ومن ثم فقد وضح لي- منذالبداية- أن إخراج الموضوع من هذا الإطار العام هو جوهر الذي علي إبرازه في هذه الدراسة، وأن هذه الدراسة يتحتم أن تقوم على شواهد وأدلة حيةّ مجسّمة لا تحتمل اللبس او ألتأويل . ولم يكن بالأمر اليسير علىّ تبديد ما تغلّف الموضوع من هذا السحباب والضباب الكثيف، ثم وضعه في الإطار الصحيح له.
وفي الواقع إن الوثائق الخاصة بالرهبان الفرنسيسان تفيض بأنواع متعددة من “المظالم “التي تعرضوا لها . من ههذه المظالم ما يتعلق بموضوع الحج الى الأماكن المسيحية المقدسة وما كان يجبى منهم ومن غيرهم من الحجاج المسيحين من رسوم ومقررات مختلفة بهذه المناسبة، ومنها مايتعلق بكونهم من الفرنج يتأثرون بصدى علاقات الدولة المملوكية بالفرنج عامة.
وليس ثمة شك في أن الرهبان الفرنسيسان تعرضوا فعلاًلهذه المظالم .
ولكن الشيئ الذي أريد أن أوضحه وأؤكده في هذه الدراسة أن الدافع إلى إحداث في هذه الدراسة أن الدافع إلى إحداث هذه المظالم عليهم لم يكن اضطهادا لهم أو تعصبا دينيا ضدهم، كما صور الأمر الآباء الفرنسيسكان في دراساتهم.
فقد أثبتت الدراسة المقارنة أن أهل الشام، في هذه الفترة مسلمين ومسيحيين مواطنين ومقيمين وأن أهل الشام في هذه الفترة وأن الدافع إلى كل ذلك يكمن في الحاجة الملحَة إلى المال وطلبه وجبايته بشتى الوسائل ومختلف الأساليب سواء من جانب السلطات المملوكية الحاكمة أو ممن تعتمد عليهم في جبايته، فهي “مظالم مالية “بالنسبة للجميع دعت إليها سوء الحالة الاقتصادية وطبيعة النظام المملوكي ولا علاقة لها البتّه بالتعصب الديني .وقد كان هذا الطابع العام هو مايتميز به العصر المملوكي كله ولا سيما الفترة الثانية منه فترة حكم المماليك الجراكسية
كما أوضحت من قبل أن هذه الدراسة يتحتم أن تقوم على أدلة وشواهد حيّة مجسّمة ومن ثم فقد قامت هذه الدراسة المقارنة على الوثائق التاريخية الصحيحة وعلى النصوص المستخرجة من أوثق المصادر .
وإن كانت وحدة الموضوع في كتاب المماليك والفرنج قد اقتضت الحديث عن النشاط السياسي للرهبان الفرنسيسكان في فلسطين .فإن ذلك الحديث استدعى التعرض لمشكلة ذات طابع ديني تأثرت معالجتها إلى حد كبير بالجو السياسي الذي سيطر على علاقات المماليك بالفرنج طوال القرن الخامس عشر .
هذه المشكلة هي النزاع الذي قام بين اليهود والرهبان الفرنسيسكان منذ مطلع ذلك القرن حول أحقية كل منهم في تملك القبو الذي أجمعت الروايات على أنه يوجد به قبر نبي الله داود .وهذا القبر الذي أجمعت الروايات على أنه يوجد به قبر نبي الله داوود. وهذا القبر كان يوجد بالطابق الارضي من منزل والد يوحنا مرقص ,القائم فوق جبل صهيون بالقدس الشريف والذي كان مكاناًمختاراًلاجتماع السيد المسيح ب تلاميذه .وقد شهدت القاعه الغربيه من الطابق العلوي بهذا المنزل والتي عرفت “بعلِيًة صهيون “تناول السيد المسيح العشاء الرباني الأخير مع حوارييه .كما شهدت القاعة الشرقية المجاورة لها اجتماع السيد المسيح بحوارييه بعد قيامه من القبر ,حسبما تذكر الرواية المسيحية . ولذلك اكتسب هذا المنزل صفة القداسة عند المسيحيين
وخاصة الغربيين منهم وارتبط تاريخه منذ منتصف القرن الثالث عشر بتاريخ طائفة الرهبان الفرنسيسكان في فلسطين كما أصبحت الدير الذي بنوه حوله وعرف بدير صهيون المقر الرئيسي لهم هناك .
وفي 1452حسمت السلطات المملوكيه هذا النزاع بيت الطائفتين ,فقررت رعاية لقبرهنبي الله داود أن يكون القبو بيد المسلمين .واقتضى ذلك تحويل القبو إلى مسجد صغير وحبس بعض الأوقاف عليه لضمان النفقه عليه . ولم تنجح محاولات الرهبان الفرنسيسكان طوال البقيه الباقيه من عهد الدولة المملوكيه في استعادة هذا القبو . وقد توقفت عند هذا القدر من تتبع ذلك النزاع حسبما سمحت به وحدة الموضوع.
غير أن تاريخ هذا الأثر لم يتحدد بصفة نهائية إلا في أوائل العصر العثماني . ففي هذه الفترة تجدد النزاع بين الطائفتين حول موضوع أحقية كل منهم في تملك القبو، واتتخذ صورة أعنف مما كان عليه من قبل زمن المماليك. وتطور الأمر ألى تحويل المبنى القديم كله، أي الطابق الأرضي بما فيه القبو، والطابق العلوي بمل فيه “علية صهيوني “ألى مسجد كبير أصبح بعرف منذسنة 1524 بمسجد النبي داود وبذلك تكون السلطات العثمانية قد وضعت بهذا الإجراء حدا نهائيًا لهذا النزاع .
ولم يمس هذا التحويل المقدسات المسيحيه واليهوديه في شيئ البتة بل إنه أتاح للسلطات الإسلامية بالقدس القيام على خدمة هذه الأماكن المقدسة ورعايتها على أفضل وجه. كما لم يمنع هذا التحويل كلاً من المسحيين واليهود في زيارة المقدسات والتبرك بها. وقد اقتضى هذا التحويل ما ترتب عليه من ازدياد حدة العداء بين الرهبان الفرنسيسكان واليهود إجلاء الرهبان الفرنسسكان عن دير صهيون الذي كان يحيط بذلك الأثر وتعويضهم بدلاً عنه بكنيسة المخلص بالقدس لتكون مقراً لهم.
إن سماحة الإسلام تجلت في أروع صورة في العنايه بهذا المكان المقدس الفريد من نوعه والذي يجمع بين هذه المقدسات لدى الأديان السماوية الثلاثة. فقد كانت هذه المقدسات على تعاقب الازمان وعلى تعاقب الدول الإسلامية المختلفة صاحبة السيادة على فلسطين، موضع العناية والرعاية التامة.
ولذلك ظلت قائمة على حالتها الأولى حتى خلال الفترة التي اشتدت فيها روح الكراهية بين المسلمين والفرنج زمن الحروب الصليبية. وفي الواقع إن ما قام به العثمانيون وإن كان كان قد اتسم بروح العداء لظائفة الرهبان الفرنسيسكان، لا يعدو أن يكون في جوهرة إجراءاً حاسماً للمحافظة على هذه المقدسات .
ولقد ظل مسجد النبي داود مزاراً ومحجا لليهود والمسيحيين والمسلمين حتى قيام حرب فلسطين في 1948 . ويعنينا_في المقام الأول _من هذه الدراسة أن نوضح للعالم أجمع ما حّل بهذا الأثر المقدس على يد الصهاينة وخاصة في هذا الوقت الذي تتعرض فيه المقدسات السيحية والأسلامية الأخرى بالقدس العربيه لعدوان جديد من جانبهم .
لقد نجح الصهاينة بمقتضى قرار التقسيم في أن يكون هذا الأثر المقدس داخل الجانب المحتل من القدس، وعلى الفور قاموا بإزالة المقدس ات المسيحية والاسلامية بهذا الاثر وحولوه كله الى معبد يحتفلون فيه وفي 15 مايو من كل عام بذكرى قيام دولتهم ,واحتفالهم هذا وبهذا المكان بالذات القتئم فوق جبل صهيون له دلالته الكبرى فهو يشير صراحة الى أهدافهم التوسعية وإلى آمالهم في إحياء ملك داود وسليمان .
***************
وبعد، فقد شاءت الظروف أن أنتهي من هذه الدراسة في الوقت الذي تعرضت فيه الدول العربية لعدوان جديد من جانب إسرائيل ,واحتلت فيما احتلته من أراضٍ عربية .القدس العربية .ولا يخفى علينا ماتدعيه الحركة الصهيونيهى من أن المسجد الأقصى قد بنى فوق قدس الأقداس في هيكل سليمان ,وقد نقلت الينا الأنباء أن أسرائيل ,توطئه لأعادة بنائه.
وليس من المستبعد أن تعتدي إسرائيل على أن المسجد الأقصى، كماإعتدت من قبل على مقدسات مسيحية وإسلامية عزيوه علينا .
فإلى العالم قاطبة يهودياً ومسيحيين ومسلمين ,
اقدم هذه الدراسة نوراً وبرهاناً ساطعاً على سماحة الأسلام وعلى ماتحقق على يد المسلمين على مر العصور من عناية ورعاية تامة للمقدسات يهودية ومسيحية وإسلامية
والى الآباء الفرنسيسكان خاصة أقدم أيضاً هذه الدراسة عرفاناً وتقديراً لرسالتهم ولما قامو به في الحفاظ على هذه المجموعة القيمة من وثائق دير صهيون التي تضيف إلى البحث العلمي في تااريخ الشرق الإسلامي عامة وفلسطين خاصة ثروة كبيرة.
يناير 1968
لمشاهدة الكتاب كاملا، الرجاء الضغط على الرابط التالي: وثائـق ديـر صهيـون بالقـدس الشريـف