دائرة شؤون القدس – IMC
“بقطع عن حالي وعن عيلتي لقمة الاكل عشان أدفع نفقات للمحامي،” “وفي يوم رجعت على البيت لقيت أغراضي مرمية على الأرض ليش؟ عشان تأخرت أدفع الايجار.” هكذا استهل أيمن أبو عكة “أبو محمد” 40 عاما وصفه لمعاناته المستمرة للحصول على الاقامة في مدينة القدس، له من الاطفال خمسة، وهو من مخيم العايدة في بيت لحم.
ويكمل أبو محمد، نتيجة ذلك اضطررت أن أستأجر منزل متواضع مكون من غرفة ومطبخ وحمام بمبلغ بسيط لمدة سنتين، الى حين تأمين المبلغ الذي طلبه المؤجر عن طريق أخذي لقرض من البنك، وهو ايجار مقدم لمدة عام ويقدر ب 24 ألف شيكل، عدا عن الارونونا والكهرباء والمياه.
قدمت لمدينة القدس وانا لا احمل اي وثيقة تسمح لي بالتنقل بحرية في داخل المدينة، وكانت زوجتي هي الركيزة الاساسية من اجل ان أقدم طلب لم الشمل في وزارة الداخلية الاسرائيلية، ومن ثم بدأت بالبحث عن وظيفة من اجل ان أوفرأبسط الاحتياجات اليومية.
وذكر أبو محمد أن شروط التقدم لطلب لم الشمل يجب ان تشتمل على ورقة الارونونا بالاضافة الى فواتير الكهرباء والمياه وأهم شيء ان يكون الطرف الحامل للهوية المقدسية مسدد جميع مستحقاته للتأمين الوطني.
ويتابع والالم يعتصر قلبه” معاناتي تتجسد في انه من الصعب جدا او من المستحيل ان أحصل على الاقامة في الوقت القريب وذلك يرجع الى وجود لي اخٍ أسير أمني فكان الرفض بسبب دواعي أمنية”. فهو يعاني بشكل كبير على الحواجز، بالاضافة الى الاهانات المتكررة من جنود الاحتلال سواء أكانت الجسدية واللفظية عند اعتقاله.
وأشار مدير مركز القدس لحقوق الانسان رامي صالح، بأن قرار لم الشمل مجمد حالياً من قبل وزير الداخلية ويتم تجديده كل 6 أشهر، لكن تقوم وزارة الداخلية بإعطاء تصاريح إقامة للعائلات التي إحدى أفرادها من حملة هوية الضفة الغربية ويجب أن يكون الزوج فوق الخامسة والثلاثين أما الزوجة فوق الخامسة والعشرين، وأضاف أن هذه التصاريح تخضع لمراقبة معمقة من قبل المخابرات الاسرائيلية “الشاباك”.
في حين تقديم الطلب يحتاج الى السيرة الذاتية للمتقدم، يتم السؤال عن جميع أفراد العائلة من إخوةٍ وأخواتٍ وأبٍ وأمٍ وزوجات الاخوة وأزواج الأخوات من قبل “الشاباك”، بالاضافة الى أرقام هوياتهم وهواتفهم.
فأي شخص من هؤلاء سواء أكان معتقل أم أسير أمني، يرفض الطلب تلقائياً، فالطلب يحتاج من 9 أشهر إلى 18 شهراً في وزارة الداخلية للنظر فيه ويرجع ذلك الى للفحص الامني.
ويروي أبو محمد احدى المرات التي تم اعتقاله فيها من البلدة القديمة من قبل خمسة جنود واقتياده الى القشلة والتحقيق معه بشكل مهين وتوقيعه على ورقة عدم الدخول الى القدس ،فالبطاقة الصفراء التي يحملها دائما عندما يحتاج الى التنقل والتي تظهر تقديمه لطلب لم الشمل في الداخلية، مدون عليها الاسم ورقم الهوية والمبلغ الذي تم دفعه لقاء الطلب لكن لا تسعفه دائما هذه البطاقة من الاعتقال.
فيتسأل” ما هي جريمتي في التواجد في مدينة القدس؟ فهل الاثيوبي والبولندي والروسي أحق مني في التواجد بالقدس؟ لولا حبي لمدينة القدس لما بقيت يوما واحدا لرجعت لمخيم عايدة، فلا يستطيع أي شخص عاقل ان يتحمل الذل والهوان الذي أعيشه فمنذ قدومي اي عام 2007 وانا من المستحيل أن أتجول الا للضروريات، ويقتصر تنقلي ما بين عملي وبيتي الذي يقع في الطور”
ويتابع والدموع تملئ عينيه ” الي حوالي تمن سنين مش قادر أشوف أهلي، حتى عرس بنت أخوي ما قدرت أحضره أنا عايش في سجن بس بتواصل معهم بالتليفون او عن طريق الانترنت، لولا هاي الطرق اللي بتخفف عني لتركت كلشي ورجعت لاهلي وأصحابي ما حد بصبر على هاد الذل والهوان”.
وكان من الصعب عليه التكييف مع هذا الوضع فأصابته حالة نفسية، فسلاحه الوحيد هو الصبر والثبات فقدم الى القدس من اجل حبه وانتماءه وليس من الناحية المادية، من منطلق كما قال الشاعر محمود درويش “أعطيني بيتا بالقدس وكسرة خبز”.
ويشعر أبو محمد بنقمة شديدة على المحاميين سواء أكانوا من اليهود او العرب الذين يتصيدون أهل الضفة القادمين للحصول على لم الشمل، حيث يطمئن المحامي الشخص بأنه سيحصل على الاقامة في غضون ستة أشهر،في النهاية يضع ملفه على الرف.
فمنذ عام 2007 والمحامي يماطل في حصوله على الاقامة، على الرغم من انه مرفوضا أمنيا، فهو لا يستطيع دائما ان يصل المحامي ويتابع قضيته، فيتابعها عوضا عنه أصدقائه او زوجته. وفي الاغلب صاحب القضية يقوم بمتابعة أموره بنفسه في وزارة الداخلية، وتم دفع حوالي 10 الاف شيكل للمحامي من دون جدوى او فائدة.
وأوضح رامي صالح أن بعض المحاميين يسعون إلى الربح المادي، بالاستناد إلى أن دخلهم يقوم على معاناة الاشخاص، فعند توجه أحد المتضررين من سياسات الاحتلال الاسرائيلي الى بعض محاميي القطاع الخاص فإنه ينظر الى هذا المتضرر بمصدرٍ للدخل ولا يجب تفويت الفرصة.
فالمحامي عنده قدرة كبيرة على إقناع المتضرر بأنه الخلاص له، ويطرح موضوعه بشكل ايجابي واعطاءه بصيصٌ من الأمل، ولكن يختلف هذا الموضوع عند المؤسسات الحقوقية التي توضح الوضع العام بشكل مفصل سواء أكان ايجابي أم سلبي .
فذكر أن أحد المحامين أوهم الزوج بأنه يستطيع أن يسمح لزوجته القيادة بالقدس على الرغم من أنها من حملة هوية الضفة وعلى الرغم من أنه مدون على التصريح “ممنوع القيادة في اسرائيل” وتم أخذ من الزوج مبلغ 8000 الاف دولار، وهنا يظهر تلاعب بعض المحامين واستغلالهم بعدم المعرفة بالقوانين داخل مدينة القدس
اما أبو طلعت “45 عام” جسد حسرته وألمه طوال العشر سنوات قبل حصوله على الاقامة و قال ” معك هوية قدس ولا ضفة؟ لانه اذا ضفة ما بقدر أطلعك معي بتخالف.. هاي بتكون كلمات اي شوفير تكسي أو باص بدي أطلع فيه، بالاخر بضطر أمشي. ايش بدي أعمل ما حد بحس بحد هالايام”
استأجر منزلا عام 2004 في منطقة رأس العامود في مدينة القدس المحتلة، من اجل البدء باجراءات التقديم طلب لم الشمل عن طريق زوجته الحاملة للهوية الزرقاء. وواجه معيقات عند استئجار المنزل بسبب حمله للهوية الخضراء.
وأوضح أبو طلعت انه كان يخرج عند بزوغ الفجر ليقف على باب وزارة الداخلية القديمة سواء أكان تحت أشعة الشمس أو البرد القارص لعدة ساعات من اجل تقديم طلب لم الشمل او مراجعته، وعلى الرغم من عدم وجود اي عوائق في طلبه أو اوراقه الا ان هذه العملية أخذت منه حوالي 7 سنوات، ويجب عليه في كل سنة ان يثبت وجوده بالقدس من اجل ان تستمر الاقامة معه.
وبنبرة حزن وأسى يقول”مرت على أيام ما معي الشيكل حق رغيف الخبز بس كان كل همي انه احصل على الاقامة عشان أقدر بعدها أشتغل وأطعمي أولادي”
وأشار الى دور زوجته الكبير في مساعدته، “حيث أنها هي من كانت تصرف على المنزل وتأمن احتياجاته وانا قاعد بالبيت بنتظر فرج ربي”. عاشت زوجته الامرين من خلال السعي لتسجيل الاولاد، والذهاب للداخلية لمتابعة معاملته، بالاضافة الى انها تحدت عائلتها للمحافظة على بيتها بالرغم من انه أثقل كاهلها الا انها ثابتة وصابرة.
” اذا بتشوفيها بتحزني على حالتها كيف صارت، 7 سنين بهادل وقلة قيمة والله بتقطع قلبي عليها مش قادرة حتى تشتري ملابس بضلها بنفس الجلبات على طول السنة”.
ويعبر بغضب عن معاملة بعض المؤجرين له ولعائلته بسبب انه ليس من حملة الهوية الزرقاء فعند حدوث اي مشكلة مع أحد أبناء المؤجر يبادله بالسب وينهال عليه بكلمات نابية وهو لا يستطيع أن يحرك ساكنا بسبب الاقامة التي من الممكن أن تسحب اذا ارتكب أي جنحة سواء أكانت مدنية أم أمنية، واذا تملكته الشجاعة ليشتكي عن سوء معاملته يقول له “مش عاجبك اطلع”.
وأوضح مدير مركز القدس لحقوق الانسان أن تصريح الاقامة من الممكن أن ينسحب على أتفه الاسباب “الطوشة” كما حدث مع أحد أساتذة مدرسة في القدس، قام فيها بتأنيب أحد الطلبة، فاشتكى والد الطالب على إثر ذلك للشرطة الاسرائيلية ( لكن في وقت لاحق قام بالتنازل عن الشكوى) وبعد 6 أشهر تم استدعاء الاستاذ على خلفية الشكوى وسحب تصريح الاقامة منه تحسباً من أن يعمل شيء بالمستقبل.
وحتى بعد حصول أبو طلعت على الاقامة تتجدد معاناته كل عام ولكن ليس أمام بوابات الداخلية بل على مداخل الارتباط الاسرائيلي حيث ينتظر لساعات طويلة للحصول على تصريحه بعد ذل واهانة، فعلى الرغم من حصوله على الاقامة،لا يحق له العمل بها، ولكن تصبح اسهل من ناحية التنقل فقط.
ويستطرد حديثه مستهزئا بعقلية الاحتلال ” قبل سنتين أصيبت ابنتي الصغيرة بانفلونزا، وبالتالي كان الخوف من ان تكون مصابة بانفلونزا الطيور، اصطحبناها أنا ووالدتها لمستشفى هداسا العيساوية ولكن لم يسمح الحارس على البوابة بادخالي على الرغم من توسلاتي بأنها ابنتي ويجب ان اكون معها، حتى بعد حصولي على الاقامة”
وذكرالمحامي صالح الاشكالية الكبرى هي في تسجيل الاطفال، وخاصة عندما يكون أحد الازواج حامل لهوية الضفة الغربية وأقل من العمر المسموح، وبالتالي ننصح بعملية الولادة في أحد مستشفيات مدينة القدس المقاصد، المطلع حتى يحصل المولود على بلاغ المستشفى الاسرائيلي وليس شهادة ميلاد، فإن لم يتواجد هذا البلاغ فمن الصعب تسجيل الطفل.
فيعود عرقلة بعض من طلبات لم الشمل في وزارة الداخلية، حتى يمل الزوج ويفقد الامل من الحصول على الاقامة وبالتالي يعود الى مدينته، وعلى اثر ذلك تلحقه الزوجة ويتم سحب منها هويتها الزرقاء، وتعد طريقة ممنهجة من قبل الاحتلال الاسرائيلي من أجل افراغ القدس.


