إجراءات اسرائيلية لتغيير الوضع القائم هدفها جعل حل هذا الملف صعباً “ومستحيلاً”!
كثر الحديث عن مصير ومستقبل القدس. وعقدت عدة مؤتمرات ولقاءات وورشات عمل شارك فيها أكاديميون ومواطنون ومسؤولون فلسطينيون واسرائيليون في الجانبين من شطري المدينة الشرقي والغربي. وكانت هناك عدة أسئلة تطرح حول امكانية أن تكون مدينة القدس عاصمة لدولتين وشعبين ولديانات سماوية ثلاث. وهل ستقبل اسرائيل بذلك؟ وطرح سؤال جوهري وهو” عن أي “قدس” نتحدث؟ لأن لها عدة حدود، وكل واحد ينظر إلى القدس بمنظار يختلف عن الآخر.
حدود القدس
قبل الإجابة عن امكانية أن تكون القدس عاصمة لدولتين وشعبين، لا بدّ أن نتحدث عن أشكال القدس العربية المطروحة أو الواقعية حسب أوضاع سياسية سابقة. واذا قلنا العودة إلى حدود 4 حزيران 1967 فهذا يشمل القدس العربية بكاملها: داخل الأسوار وخارجها وهذا ما يعنيه الفلسطينيون. هناك من يقول أن حدود القدس لا تشمل كل الأراضي التي حولها، وأقيمت عليها المستوطنات الكبيرة، إذ كانت مساحتها 6 كيلومتراًت مربع فقط. في العهد الأردني، وقبل حرب حزيران 1967، ولكنهم يتناسون حقيقة أن الأردن كان يخطط، ووضع المخططات للقدس الكبرى التي مساحتها ستصل إلى رام الله والى بيت لحم وتضم العيزرية أيضاً، لكن هذا المخطط لم ينفذ بتاتاً بسبب اندلاع الحرب، واحتلال اسرائيل للمدينة!
هناك من يقول أن القدس عاصمة لدولتين، يعني أن السيادة مشتركة على كل المدينة بشطريها الغربي والشرقي، ولكن اسرائيل حتماً ترفض ذلك، ويكون هذا التطلع الفلسطيني مستحيل التطبيق إلا في حالة واحدة، وهو اقامة دولة واحدة ثنائية القومية في المستقبل عندها يختلف الشعار، وتكون القدس عاصمة لدولة واحدة.
آخرون يقولون أن الخلاف الفلسطيني الاسرائيلي حول “القدس الشريف”، والمقصود هنا بذلك مدينة القدس القديمة أو ما تعرف بالمدينة داخل الأسوار، وفيها العديد من المقدسات المهمة. أما باقي الأحياء فيمكن الاتفاق على سيادتها أو ادارتها!
وجهة نظر أخرى تقول أن الحديث عن القدس يجب أن يركز حول حدودها المرسومة في قرار التقسيم، والذي نص على أن تكون دولية، أي تحت السيادة الدولية، وهذا ترفضه اسرائيل ويرفضه الفلسطينيون لأن ذلك يخرج القدس عن الدولة الفلسطينية، وكذلك عن دولة اسرائيل.
أمر لا بدّ من الاشارة إليه هو أن المطالبة بحدود 4 حزيران 1967 غير كاف، لأن هناك مساحة كبيرة من الأرض كانت تسمى “منطقة حرام” إذ لا يسمح للفلسطيني أو الاسرائيلي من الدخول اليها. وخير مثال على تلك المنطقة الحرام: جميع المنطقة من خلف شارع الملك داود حتى سور المدينة (أي منطقة الشماعة)، المقابر في منقطة باب النبي داود، النوتردام، والمناطق التي تتواجد فيها الفنادق مقابل الاميركان كولوني. أي أنها منطقة واسعة ومهمة أيضاً ناهيك عن منطقة حرام واسعة قرب اللطرون وغيرها حول القدس. ولذلك يجب المطالبة بالعودة إلى حدود 4 حزيران 1967 مع مناطق الحرام المرافقة لها حسب اتفاقيات الهدنة الموقعة في رودس عام 1949.
وجهة نظر فلسطينية حول القدس
وجهة النظر الفلسطينية حول “القدس” عاصمة لدولتين تعني السيادة الفلسطينية الكاملة على القدس حسب حدود ما قبل حزيران 1967، وتتم بعض الترتيبات داخل القدس القديمة فيما يتعلق بحرية العبادة، والحي اليهودي الذي أقيم داخل أسوار القدس قرب ساحة “المبكى” والتي أقيمت على حساب تدمير حي المغاربة.
وتقول وجهة النظر هذه أن لا حدود بين شطري المدينة لأنها ستكون موحدة، وسيكون هناك مجلس مشترك فلسطيني اسرائيلي فيما يتعلق بتنظيم البناء والتخطيط فيما يتعلق بالبنى التحتية للمدينة الموحدة.
طبعاً هذه “وجهة النظر” تصطدم بموضوع السيادة على الحرم القدسي الشريف، إذ أن اسرائيل تطمح في السيطرة على جزء منه لتأمين حائط البراق أو حائط المبكى. وهذه “عقدة” كبيرة من المستحيل حلها إذا أصرت اسرائيل على ذلك وهي تصر باستمرار عليه.
حدود المدينة من وجهة نظر اسرائيلية
حسب وجهة نظر الاسرائيليين، وحسب حدود البلدية الاسرائيلية التي وضعت بعد ضم مدينة القدس لاسرائيل عقب حرب حزيران 1967، فإن حدود المدينة تصل الى منطقة المعلوفية شمالاً، وقبة راحيل جنوباً، وخان الأحمر شرقاً. ومع اخراج عدة مناطق عن ذلك مثل الرام وبير نبالا، وقلنديا، وعناتا، والعيزرية وابو ديس.. والكثير من هذه المناطق، التي تمثل حتى الآن بعضها مناطق “ب”، وبعضها مناطق “ج” حسب اتفاق اوسلو.. لأنها أصبحت داخل الجدار العازل الذي يحيط بالضفة الغربية!
وهذه الحدود تشمل العديد من المستوطنات الكبيرة التي هي قلاع واسعة المساحة مثل التلة الفرنسية، بيسغات زئيف، ومعاليه أدوميم، والنبي يعقوب، وراموت وبساغوت.. وغيرها من المستوطنات.
وحسب وجهة نظر المفاوض الاسرائيلي فإن القدس العربية التي قد تسلم للادارة الفلسطينية، وليس للسيادة الفلسطينية، أي أن أمن هذه المناطق سيكون من مسؤولية اسرائيل، فهي مناطق الرام والعيزرية وعناتا.. الخ التي هي داخل الجدار العازل المحيط بالضفة.. واذا أرادت أن تكون نوايا اسرائيل جدية فحدود التنازل قد تتسع بحيث يتم تسليم المناطق التي هي ضمن الجدار العازل للسيادة الكاملة للدولة الفلسطينية، أما فيما يتعلق بالقدس، فإنها (اسرائيل) قد تقبل بتسليم “سكان” أحياء لادارة السلطة الفلسطينية وليس كل الاحياء. ومثال على ذلك: العيسوية، بيت حنينا، المكبر، صور باهر، السواحرة الغربية.. أي أن مواطني هذه المدينة سيحملون الهوية الفلسطينية فقط، ويكونون مرتبطين بالسلطة. وتكون لهم لجان أحياء للعناية بالخدمات العامة الأساسية كالنظافة والصحة ورخص فتح المحلات. وحتى هذا الأمر قد يكون من الصعب على اسرائيل تقديمه للفلسطينيين لأنها إذا نظرت الى الوضع من ناحية أمنية، فإنها ستقول حتماً هذا التسليم سيعرض القدس لاعتداءات أمنية مستقبلية، ولن يتم هذا إلا إذا كان هناك اتفاق شامل على أن السيادة الأمنية على كل المناطق الفلسطينية، أي الدولة الفلسطينية، هي لاسرائيل، وعندها قد تطمئن أمنياً وتسلم ما ذكرناه سابقاً!
تسليم المستوطنات من المستحيلات
أما فيما يتعلق بالمستوطنات التي اقيمت خلال سنوات الاحتلال منذ حزيران 1967 وحتى يومنا هذا، فإن اسرائيل لن تقوم بتسليمها أو التنازل عنها، فها هي توسع هذه المستوطنات، والبناء الاستيطاني متواصل فيها. وحتى ان مستوطنة معاليه ادوميم ستضم الى القدس لتصبح جزءاً منها، حتى لا يتم تسليمها أو التنازل عنها.
وهذا يعني أن اسرائيل لن تتنازل إلا عن أجزاء من القدس هي ضمن مناطق الضفة الغربية مع ادارة مدنية بسيطة على اجزاء من احياء المدينة خارج الأسوار، وهذا المخطط يعني تهجير أبناء القدس رسمياً، إذ يكونون تابعين للسلطة الفلسطينية، أما الأرض فهي للسيادة الأمنية الاسرائيلية، وبالتالي تخفض أو تقلل اسرائيل من عدد المواطنين العرب التي تتحمل مسؤوليتهم ادارياً في القدس.. وتكون خطوة أولى لتهويد دولة اسرائيل. لأنه ان تم ذلك مع أبناء القدس، فإن اسرائيل ستقول للأخوة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أنتم تابعون للدولة الفلسطينية، وتستطيعون حمل بطاقة الهوية الفلسطينية مع السماح لكم بالبقاء في أماكن اقامتكم كما يسمح للمستوطنين في الضفة الغربية بذلك مع أنهم يحملون الجنسية الاسرائيلية.
موضوع المستوطنات صعب وشائك، وأصبح الوضع الآن صعباً جداً على أي قائد اسرائيلي مهما كانت قوته وشخصيته أن يزيل حتى المستوطنات “العشوائية” التي أقيمت من دون علم السلطات، ومن دون الحصول على موافقة حكومية على ذلك.
عاصمة حقيقية أم روحية
فيما لو قبلت اسرائيل بمبدأ أن تكون القدس عاصمة لدولتين، وقبلت بالسيادة الفلسطينية على القدس العربية، السؤال الذي سيطرح: هل هناك من امكانية أن تكون عاصمة بالفعل، أي نقل مقر الرئاسة والمجلس التشريعي، ومجلس الوزراء الى القدس. وأين ستقام هذه المباني، هل هناك من أماكن أو مواقع لذلك، وهل ستسمح اسرائيل بذلك؟
هناك شك كبير في أن تقبل اسرائيل بذلك، أي تقبل باقامة مقار للرئاسة ومجلس الوزراء والتشريعي داخل القدس الحالية، ولكن قد تسمح باقامة مثل هذه المؤسسات في “أبو ديس” القريبة جدا من القدس، علماً أن اسرائيل سمحت بالمباشرة ببناء مقر للمجلس التشريعي توطئة للحل كما قيل في السابق.
وتساؤل آخر يطرحه كثيرون: هل ستتخلى السلطة الوطنية عن رام الله التي هي بالفعل عاصمة السلطة وعاصمة الدولة نظراً لتواجد كل مؤسسات الدولة فيها، اضافة الى تواجد البعثات الدبلوماسية فيها أيضاً. وهل ستسمح اسرائيل بأن يتواجد كل المسؤولين الفلسطينيين في القدس. وهل ستستوعب القدس جميعهم.
هناك من يقول أن القدس تكون عاصمة روحية للدولة الفلسطينية العتيدة، في حين تبقى رام الله العاصمة الحقيقية والفعلية.. وهذا القول لن يقبل به الفلسطينيون الى حد كبير إلا إذا أجبروا عليه ومن خلال حل مفروض عليهم! والتوصل الى حل حول القدس يحتاج الى وقت كبير، لأن قضية القدس معقدة وشائكة، واسرائيل جعلت منها كذلك لأنها لا تريد التنازل عنها. ولا تريد أن تكون هناك أصلاً دولة فلسطينية، بل حكماً ذاتياً للفلسطينيين.
لا حل شامل من دون القدس
هناك معادلة واضحة المعالم وهي تقول: لن يكون هناك حل شامل من دون حل قضية القدس. وهذا يعني أن التوصل الى اتفاق صعب جداً في الفترة الحالية في ظل تواجد حكومة يمينية متطرفة، وفي ظل ضعف اميركي لا تستطيع الادارة الاميركية فرض حل أو الضغط على اسرائيل.
ملف “القدس” كبير ومهم.. ومن يحمله ويتفاوض بخصوصه يحتاج الى قوة وقدرة وذكاء، ويحتاج الى دراسة للملف، وان يكون من أبناء المدينة يعرف الأمور الصغيرة قبل الكبيرة فيه.
وتعمل اسرائيل اليوم على فرض أمر واقع، وتغير وضع المدينة حتى يكون من الصعب أو شبه المستحيل ايجاد حل لملف القدس أو قضية القدس. واذا تواصل “الاهمال” العربي والاسلامي لهذا الملف فإن اسرائيل ستجرؤ على القيام باجراءات أحادية وخطيرة جداً.. وخاصة تلك الاجراءات التي ستؤدي إلى السيطرة الكاملة على المقدسات في المدينة لتمحي وجود الديانات السماوية الثلاث عن المدينة، لتبقى ديانة واحدة، هي الديانة اليهودية.