المدرسة الصلاحية

تقع شمال المسجد الأقصى المبارك، قرب سور القدس الشرقي وعلى بعد نحو عشرة أميال إلى اليمين من باب الأسباط تحديداً، حيث بداية الطريق تخترق القدس تعرف باسم طريق المجاهدين. تنسب إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي اشتراها مع جهات أخرى بعد ان حرر القدس ووقفها مدرسة للشافعية في (13 رجب 583هـ/24 أيلول 1187م). ويفيد وقف المدرسة أن تسطير كتاب وقفها وافتتاح المدرسة تم بعد خمسة أعوام . وهو ما أثبت على نقش تأسيسها الذي يعلوه قوساً فوق باب مدخلها.

يرجع بناء المدرسة إلى ما قبل الإسلام، ما يجعله من أقدم الأبنية في القدس التي تشهد على تقلب الأحوال السياسية  فيها، فقد بني في الأصل معبداًوثنياً، حوله البيزنطيون في أواخر القرن الخامس الميلادي إلى كنيسة القديسة حنه (صند حنه) التي دمرها الفرس إثر احتلالهم المدينة عام 614م؛ في حين أنها أفادت من سياسة العرب المسلمين المتسامحة فبقيت على حالها حتى حولها الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى دار علم فاطمية، وأعاد الفرنج اللاتين بناءها على طراز القوطي إثر احتلالهم القدس عام (492هـ/1099م) باسم كنيسة سانت آن Saint Anne. وخربت إثر زلزال في عام (1226هـ/ 1812م)، فاستدخمت بعض حجارتها في بناء ثكنة قرب قصر الباشا العثماني (كلية روضة المعارف)قبل أن يوقف إبراهيم باشا هدمها. وبعد انتهاء الحكم المصري في بلاد الشام، حاول العثمانيون تعميرها فأنشؤوا محراباً ومئذنة لم تكتمل .

زقد منحها السلطان العثماني عبد المجيد إلى الحكومة الفرنسية سنة 1856م مكافأة لها على ما قدمته من مساعدات لها في حرب القرم،فعمرتها وأسس فيها الآباء البيض مدرسة القديسة حنة الإكليركية للروم الكاثوليك في سنة 1882م.وظلت كذلك حتى أعادها جمال باشا، قائد الجيش الرابع العثماني وزير البحرية العثمانية، كلية إسلامية حديثة (كلية صلاح الدين الأيوبي) وافتتحها في 18 كانون ثاني 1330 مالية/1915م، ضمن جهود الدولة العثمانية لاستنهاض الرابطة الإسلامية وتوظيفها لدعم الدولة أثناء الحرب العالمية الأولى,إلا أن بريطانيا التي احتلت القدس في 1917/12/9م أرجعتها لفرنسا التي أنشأت فيها متحفاً ومكتبة وكنيسة. وفي حرب عام 1967، اتخذها الجيش العربي مقراُ لقيادته، وتعرضت لقصف جيش الاحتلال الإسرائيلي ما أدى إلى هدم أجزاء منها.

ويقوم البناء اصلاًعلى كهف طبيعي تعلوه قبة، ويتألف من ثلاثة أجنحة يعلوها أقبية قوطية عريضة ترتكز على أعمدة ضخمة ستطيلة الشكل، وفي الجانب الشرقي قبة كبيرة ترتكز على أربع أقواس متساوية تستند بدورها على أعمدة،ويقابل الكهف من الغرب تيجان أعمدة ذات تيجان على شكل أوراق نباتية (كورنثية) وأعمدة أخرى غير مكتملة.ويتوصل إلى البناء عبر باب تعلوه أقواس متتالية تضم نقش التأسيس، ويعلو هذه الأقواس شباك علية زخارف الموجودة على مدخل كنيسة القيامة.

وتبدو المدرسة الصلاحية كأقدم مدرسة لا تزال معرفة بالقدس، وبحسب سجلات محكمة القدس الشرعية ، سطر كتاب وقفها في (13 رجب 588هـ) واعيد إسجاله اكثر من مرة في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي ومطلع القرن التالي.وقد خصصت للفقهاء الشافعية. وأجري عليها عدة تعميرات في السنوات خلال القرن الحادي عشر الهجري/ الثامن عشر ميلادي.أما أوقافها فهي من أوسع الأوقاف التي حبست على المؤسسات في القدس.

وكانت تشمل قرى وعقارات واسعة،منها:قرى سلوان والقسطل وصوبا وخمس أراض وبستان وحمام وفرن وأكثر من اثنتي عشرة دكاناً في سوق العطارين وبابي حطة والسلسة. ووقف دفاتر مفصل لواء القدس الشريف العائدة إلى القرن10هـ/16م.

صرف أكثر من 30000 آقجه من ريعها على مدرسيها فقط.أما وثائق مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية فتبين أن منح السلطان العثماني للمدرسة إلى فرنسا، لم يشمل أوقافها التي بقيت تحت إدارة الهيئة الإدارية لكلية صلاح الدين الأيوبي التي كانت تديرأملاك وأراضي رهبانها.لذا اعترضت أوقاف القدس على محاولات بطريرك الروم نقل ملكية حمام السيدة مريم إلى أملاك طائفته في سنة 1323مالية/1908م، لأنه موقوف على المدرسة الصلاحية.

وتأتي الصلاحية في مقدمة المؤسسات التي أسسها صلاح الدين الأيوبي وخلفاؤه من حكام المسلمين،لاستعادة الهوية العربية الإسلامية في القدس، وبقيت تؤدي رسالتها حتى أواخر القرن (12هـ/18م)وكان شيخها يحظى بمكانة علمية واجتماعية وسياسية مرموقه،وهو أحد ثلاثة كبار صرفوا شؤون بيت المقدس،وتقلد منصب قاضي القضاة الشافعية في بيت المقدس ومعه نظر الحرمين الشريفين وخطابة المسجد الأقصى أحياناً.وحظي بمنزلة خاصة لدى السلاطين.واعتبرت مشيخة المدرسة الصلاحية من الوظائف السنية بمملكة الإسلام، لا تتم إلا بمرسوم سلطاني .وكان يقام لمتوليها احتفال مهيب في القدس والمسجد الأقصى عقب صلاة الجمعة، ما يفسر اعتبار بعض المؤرخين لها جوهرة مقدسية ثالثة، وتنافس العلماء على توليها.وكان مدرسوها من كبار العلماء في زمنهم وممن لهم تآليف وتصانيف من أصقاع العالم الإسلامي وحواضره المختلفة، فمنهم من كان من الموصل او الحجاز، أو من دمشق وحلب وحمص وحماة وشيراز وحصن كيفا وعجلون وبصرى والكرك وعسقلانوغزة، أو من القاهرة وريفها، أو من خرسان وهراة، أو من استانبول، ومن أشهرمن تولى مشيختها والتدريس فيها وإدارة أوقافها قاضي القاضي بهاء الدين بن شداد 632هـ/1234م كمال الدين أبو معالي محمد بن الأمير ناصر الدين بن أبي شريف المقدسي ومحمد بن علي جار الله الذي ورث هذه الوظيفة عن اجداده. وفي مطلع القرن العشرين، يشار إلى بعض رجال الحركة العربية الحديثة ممن عملوا في كلية صلاح الدين الأيوبي،ومنهم:عبد العزيز جاويش، اول من أسندت له مهمة إدارة الكلية عند افتتاحها براتب قدره 3000 قرشا،محمد جميل بيك الحسيني ، ثاني مدير لها، ورستم حيدر التونسي وخليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي والشيخ أمين السويدي وعبد الرحمن سلام.

وقد خصصت المدرسة الصلاحية لتعليم علوم الدين الإسلامي واللغه العربية والتاريخ والرياضيات ابتداء.ويفيد نظامها المطبوع في القدس سنة(1333هـ/1914م)والمحفوظ في مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية ،أن جمال باشا أعاد تنظيمها تنظيماً عصرياً دقيقاً فاتسع نطاق تلك العلوم وأصبح يشمل أكثر من جانب أو اختصاص لكل منها، إضافة إلى تدريس سبع لغات أجنبية وعلوم الحقوق والفلسفة والاقتصاد والمالية والجغرافيا والطبيعة والرسم والخط.كما يفيد وثائق أخرى محفوظة في المؤسسة أن الدولة العثمانية وزعت إدارة الكلية بين المشيخة الإسلامية في اسطنبول التي تكفلت بتغطية رواتب ومصاريف الهيئتين العلمية والإدارية من جهة، وإدارة الأوقاف في القدس التابعة إلى وزارتها بالعاصمة من جهة اخرى. وقد بلغ مجموع رواتب موظفيها في النصف الأول من عامها الأول 107129,5 قرشاً، حيث وصل عدد الطلاب فيها مائتا طالب،يؤدي كل طالب منهم رسوماً وأقساطاً حددتها المشيخة الإسلامية ب 1,5 ليرة عثمانية.

المصدر: دليل مدينة القدس (منارات مقدسية)

اشترك في القائمة البريديه

المزيد

أننا جميعاً نعلم علم اليقين، وعلى سائر مراتب المسؤولية الوطنية، أن قضية القدس هي أم القضايا الفلسطينية وهي التحدي الوطني الأول. القدس بكل رمزيتها الهائلة هي درة التاج، وهي العنوان الفلسطيني الأهم والأبرز على الإطلاق، إليها تُشد الرحال وعلى ثراها الطاهر تسترخص الأرواح

دائرة شؤون القدس - منظمة التحرير الفلسطينيه Tweet