المدرسة التنكزية

تقع بباب السلسة، على يمين الداخل إلى الحرم الشريف. تنسب إلى منشئها الأمير سيف الدين تنكز الناصري نائب الشام،الذي أنشأها في سنة (729هـ/1328م)،وهو أحد كبار الدولة المملوكية وأشهر نوابها وأكثرهم عمرانا، وخاصة في سلطنة الملك ىالناصر بن قلاوون (741-709هـ/1340-1309م)كما يفيد نقش التأسيس الذي يعلو الواجهة الشمالية.

يعد مبنى هذه المدرسة في مدينة القدس من أفضل نماذج المدرسة ذات التخطيط المتعامد، ومن أبرز آيات الفن المعملري المملوكي الرائع، فهي تحفل بالزخارف وحطات أو صفوف من الحنيات المجوفة والمقببة التي تتدلى خلال تتابعها المتناسق مشكلة ما يعرف بالمقرنصات، مزينة بوابتها العالية المبنية بالأحجار المتعاقبة الألوان الأبيض والأسود والأصفر (الأبلق)،وتتموضع مرتكزة على جدار الحرم الشريف الغربي ومشرفة على ساحة صغيرة بباب السلسلة من الشمال، وعلى الحرم الشريف من الشرق، وعلى حائط البراق من الجنوب، وأفقالبلدة القديمة من الغرب. وتغلب الاستطالة على مبناها، إذ يبلغ من الشمال إلى الجنوب 28م، ومن الشرق إلى الغرب 25م. وهو ما تنبه إليه بعض الرحالة والمؤرخين في وصفهم لها،مثل: ابن فضل الله العمري، ومؤرخ القدس مجير الدين الحنبلي الذي عدها “مدرسة عظيمة ليس في المدارس أتقن منها”.

ةتتألف هذه المدرسة من طابقين يضمان مجمعاً معمارياً يشتمل على خانقاة ودار للأيتام ودار حديث ومسجد. ويتوصل إلى الطابقين عبر بوابتها الرائعة، القائم على كل جانب من جانبيها مقعد حجري يعرف بالمكسلة . ويعلو بوابتها مجموعة صنج حجرية معشقة يتوسطها نقش التأسيس، ثم يعلوها ثلاث حطات أو صفوف جميلة التكوين من الحنيات المجوفة والمقببة التي تتدلى خلال تتابعها المتناسق مشكلة ما يعرف بالمقرنصات.

وترتكز فوقها محارة حجرية تمثل أشعة الشمس عند شروقها.ويؤدي المدخل إلى دركاه أو موزع تقود إلى صحن مكشوف، تتوسطه فسقية وحوض مثمن الشكل ونافورة من المرمر، يصلها الماء من قناة العروب. وتنتهي إلى الصحن أربعة أواوين متعامدة. ويوجد بالإيوان الجنوبي منها محراب (مسجد) كما يفيد النقش المثبت علية، وبجانبة قاعة استعملت كمكتبة، وقاعة أعدت عندما اتخذت مقراً للمحكمة الشرعية. وفي شرق الدركاه أو الموزع سلم حجري يصعد إلى الطابق الثاني الذي يتألف من أكثر من اثنتين وعشرين غرفة لسكن المدرسين والطلاب.وتشتمل المدرسة على مطبخ ومطهرة وحمام وبئر لجمع مياه الأمطار. وقد بلطت أرض المدرسة وأزرت جدرانها بالرخام الملون، أما أرض الأواوين فقد بلطت ببلاط أبيض.

وقد خصصت لتعليم الفقه الحنفي، والحديث النبوي الشريف ولرعاية الأطفال وتعليمهم، ولإقامة الصوفية. ولم تنقطع عن اداء رسالتها طوال الفترتين المملوكية والعثمانية، باستثناء فترة سلطة السلكان المملوكي قايتباي (901-872هـ/1495-1467م)، حيث اتخذت مركزاً للقضاة والنواب وديواناً للقضاة، ودار سكن لهم. كما اتخذت مقراً لمحكمة القدس الشرعية أيام الدولة العثمانية،وتحديداً في القرن التاسع عشر الميلادي. ثم اتخذت داراً لسكن رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمير الحسيني في عشرينيات القرن الماضي. وفي سنة 1964م حولت إلى مدرسة شرعية قبل أن يصادرها الاحتلال الإسرائيلي في حزيران 1969م ويتخذها مقراً لحرس الحدود من جيشة. ولا تزال معسكراً لقوات الغصب الصهيونية، التي تحظر الدخول إليها حتى على دائرة الأوقاف الإسلامة، وتغطي على حفريات النتهاك الصهيوني، التي ينتهك بها الاحتلال بقعة من أكثر بقاع القدس حساسية وخطورة. وقد كشف مؤخراً عن مخطط إسرائيلي ببناء كنيس يهودي فوقها يهددها من المنطقة المجاورة بالتهويد الكامل. ويتوقع من القارئ الكريم أن يقدر مخاطرة فريق البحث الميداني في الحصول على مشهد مصور لهذه المدرسة الرائعة الجمال، رغم محاولاته المتكررة التي لم تسفر إلا عن التقاط مشهد خلفي لجزء من حائطها الذي يعلو حائط البراق الشريف.

وتفيد سجلات محكمة القدس الشرعية أن المدرسة التنكزية من أهم معالم القدس الثقافية والإدارية، وقد أعيد إسجال وقفيتها عام(1020هـ/1611م)، في حجة طويلة تبين أن المدرسة وقفت في (12 جمادى الأولى 730هـ/10 آذار 1330م)، وأنها تمثل مجمعاً يشتمل على مدرسة ودار حديث وخانقاه ورباطا للعجائز من النساء. وتصف الوقفية المدرسة وصفاً دقيقاً، وتورد شروط العاملين والمدرسين والطلبة الدارسين فيها ومهامهم، وأوقافها واستغلالها وتوزع ريعها ونظام التعليم فيها ما يجعل منها مرجعاً مهماً في هذا الشأن قلما يجد الباحث مثله.وتحفل كثير من الحجج الشرعية بأسماء من تولوا وظائف فيها سواء كانوا من الفقهاء الاتراك أو المقدسيين، أو المحدثين، أو من أتباع المذهب الحنفي أو من المتصوفة، خاصة من أحفاد الواقف، ومن عائلات مثل : الديري وابن قاضي الصلت وابن غانم.ويبدو أن هذه المدرسة تميزت بتعيين معماري خاص بها يتولى ترميم ابنيتها. وقد عمرت مرتين في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي:إحداها في سنة (947هـ/1540م)والأخرى في سنة (984هـ/1576م).

أما أوقافها فقد وزعت في القدس وغزة. وهي تشمل ثلث قرية عين قينية وحمامين تشترك فيهما أوقاف المسجد الأقصى، وإضافة إلى أكثر من خمس وأربعين دكانا، ووفق دفتر الطابو العثماني رقم 522، بلغ ولرد القرية المذكوة أكثر من 2000 أقجة.

المصدر: دليل مدينة القدس (منارات مقدسية)

اشترك في القائمة البريديه

المزيد

أننا جميعاً نعلم علم اليقين، وعلى سائر مراتب المسؤولية الوطنية، أن قضية القدس هي أم القضايا الفلسطينية وهي التحدي الوطني الأول. القدس بكل رمزيتها الهائلة هي درة التاج، وهي العنوان الفلسطيني الأهم والأبرز على الإطلاق، إليها تُشد الرحال وعلى ثراها الطاهر تسترخص الأرواح

دائرة شؤون القدس - منظمة التحرير الفلسطينيه Tweet