تقع على مرتفع صخري في الجهة الغربية من مدينة القدس، وتحديداً على يمين الداخل إليها من باب الخليل. وهي تتموضع فوق أعلى مرتفع في مدينة القدس يمكّن من الإشراف على المدينة والقضاء المحيط بها من أكثر وأخطر الجهات انفتاحاً عليها. منذ البدايات الأولى لإنشاء قلعة في مدينتنا على أيام اليبوسيين الأوائل، إلا أنها هدمت وأعيد إنشاؤها أكثر من مرة عبر تاريخها العريق. ومع إمكانية الإشارة إلى ما تبقى من آثار كنعانية ويونانية ورومانية وبيزنطية، إلا أن القلعة القائمة حالياً جلها قلعة إسلامية، تمكنت من استيعاب هيكلها العام منذ أن جددها هيرودس الأدومي الكبير (4- 38) ق.م، والقلعة الأموية الأصغر مساحة من القائمة حالياً، والإضافات التي أضافها الفرنجة إثر إحتلالهم مدينتنا في سنة (492 هـ/ 1099 م)، وإصلاحات سلاطين بني أيوب فيها منذ نجح صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس في عام (583 هـ/ 1187 م) وإعادة البناء المملوكية لها إثر نجاح السلطان الأشرف خليل بن قلاوون بتحرير عكا وطرد الفرنجة من الشرق في عام (691 هـ/ 1291 م) وظلت قائمة حتى “تلاشت أحوالها… وتشعثت” حسب وصف مؤرخ القدس مجير الدين الحنبلي. فأمر السلطان العثماني سليمان القانوني القانوني في سنة (938 هـ/ 1531 م) بترميم مبانيها، كما يفيد نقش التجديد، ونصه: “أمر بترميم الحصنة الشريفة السلطان الأعظم والخاقان المعظم مالك رقاب الأمم مستخدم أرباب السيف والقلم، خادم الحرمين والبقعة الأقدسية، قدس الله أرواح آبائه المقدسة منبع الأمن والإيمان والأماني، السلطان ابن عثمان سليمان، أمد الله بقاءه ما دام القبة على الصخرة في سنة حصل الخير 938 هـ”. وذلك بإشراف محمد بك. وكان يحيط بالقلعة خندق من جهاتها الشرقية والغربية والشمالية. يعلوه جسر خشبي متحرك يمكّن من العبور إلى الشارع العام، ومن ربط مدخل القلعة الرئيس بالغرف والقاعات الداخلية فيها. وقد ظل قائماً منذ أيام السلطان المملوكي الملك الناصر محمد بن قلاوون (709- 741 هـ/ 1309- 1340 م) حتى ردم جزء منه بمناسبة زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني إلى القدس عام (1315 هـ/ 1898م). أما الأجزاء الأخرى فقد ردمت عام 1937 م.

والقلعة حصن عظيم البناء تتوفر فيه كافة المرافق التي تلزم وظيفتها في السلم والحرب. تحفل سجلات محكمة القدس الشرعية ووثائق مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامي بالوثائق التي تمكن الباحث من دراسة دورها في الاشراف على المدينة وإدارتها حتى أضحت رمزاً لسلطة السلطان العثماني على المدينة، بل ورمزاً للعصيان التمرد عليه كما في ثورة نقيب الإشراف  بين عامي (1114- 1116 هـ/ 1703- 1705 م) وفتنة عام (1239 هـ/ 1824 م) والثورة على إبراهيم باشا المصري في عام (1249 هـ/ 1834 م) ولاحتلال المدينة وإخضاعها كما فعل قائد جيش الاحتلال الإنجليزي الجنرال اللنبي عندما احتل القدس وأعلن انتهاء الحروب الصليبية. كما تمكن من تحديد مرافقها تحديداً معمارياً دقيقا، ومن دراسة بنيتها الإدارية والوظائف التي أنيطت بهم، ففيها خمسة أبراج للمراقبة، أكبرها برج داود الذي يقع في الجهة الشمالية الشرقية منها، وعرف به القلعة. وكذلك هناك برج غزة الذي يقع على حافة الخندق ويمتد باتجاه جنوبي شمالي، وبرج الكتخدا. وفي القلعة ايضاً مجموعة من مخازن التموين والعلف والعتاد. وفي الجهة الغربية منها يوجد السجن ملاصقاً للسور. وفي القلعة أيضاً مصطبة كان يعتليها ضارب طبل أثناء الإعلام بدخول وقت الصلاة (النوبة خانة وضارب النوبة).

وقد أنشأ فيها السلطان المملوكي الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة (710هـ/ 1310م) مسجداً للصلاة من أجمل المساجد في القدس خارج الحرم الشريف كما تشتمل القلعة على مساكن قائدها والعساكر المرابطة فيها (الدزدار) ونائبه (الكيخيا) والإمام والواعظ والمؤذن والمقرئ، إضافة الى ثكنات الجند وإسطبلات خيولهم.

ويهدف الحفاظ على القلعة وأداء وظيفتها. أجرى العثمانيون عدة ترميمات فيها كما في الأعوام (938هـ/ 1531م) و(963هـ/ 1555م) و(1065هـ/ 1654م) و(1144هـ/ 1731م) و(1151هـ/ 1738م). وقد تمركزت فيها قوات الجيش العثماني الرابع وشحنتها بالذخائر الحربية اللازمة للدفاع عن القدس وهويتها العربية الإسلامية. وبذل جهده لتحويلها إلى مركز ثقافي، وقاعات معارض محلية. ما أثار حفيظة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي تولى الإشراف عليها حتى 1926م. وبعد زوال الانتداب البريطاني عن فلسطين، آلت قلعة القدس إلى عهدة الجيش العربي الأردني، الذي رابط هناك محاولاً الإفادة من الموقع الإستراتيجي في الدفاع عن عروبة القدس وهويتها. فأعاد مسجدها تحديداً إلى وظيفته الأصليه. وفي سنة 1956م أرسل قائد لواء الأميرة عالية كتاباً إلى الأوقاف طالباً إجراء إصلاحات فيها، إلا أنّ هذه الجهود أجهضت إثر عدوان عام 1967م الذي كان احتلال مدينتنا إحدى نتاجه الوخيمة على الأمة، إذ أتاح فرصة كبيرة لإجراء الحفريات الواسعة التي تخدم فكرة التهويد وتزوير تاريخها العربي الإسلامي الأصيل. ولتحقيق ذلك، افتتح الاحتلال في شهر نيسان (أبريل) 1989م متحفاً فيها.

اشترك في القائمة البريديه

المزيد

أننا جميعاً نعلم علم اليقين، وعلى سائر مراتب المسؤولية الوطنية، أن قضية القدس هي أم القضايا الفلسطينية وهي التحدي الوطني الأول. القدس بكل رمزيتها الهائلة هي درة التاج، وهي العنوان الفلسطيني الأهم والأبرز على الإطلاق، إليها تُشد الرحال وعلى ثراها الطاهر تسترخص الأرواح

دائرة شؤون القدس - منظمة التحرير الفلسطينيه Tweet